محمد جمال الدين القاسمي
64
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
قال الراغب : قيل : أَتِمُّوا خطاب لمن خرج حاجا أو معتمرا ، فأمر أن لا يصرف وجهه حتى يتمهما . وإليه ذهب أبو حنيفة رحمه اللّه . واحتج به في وجوب إتمام كلّ عبادة دخل فيها الإنسان متنفلا . وأنه متى أفسدها وجب قضاؤها . وقيل : إنه خطاب لهم ولمن لم يتلبس بالعبادة . وذكر لفظ الإتمام تنبيه على توفية حقها وإكمال شرائطها . وعلى هذا قوله تعالى : ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ [ البقرة : 187 ] وإلى هذا ذهب الشافعيّ رحمه اللّه واحتجّ به في وجوب العمرة . وإنما قال في الحجّ والعمرة لِلَّهِ ولم يقل ذلك في الصلاة والزكاة ، من أجل أنهم كانوا يتقربون ببعض أفعال الحجّ والعمرة إلى أصنامهم : فخصهما بالذكر للّه تعالى حثا على الإخلاص فيهما ، ومجانبة ذلك الاعتقاد المحظور . فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ أي : حبسكم عدوّ عن تمام الحجّ أو العمرة وأردتم التحلل فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ أي فعليكم ، أو فالواجب ، أو فأهدوا ما استيسر ؛ يقال : يسر الأمر واستيسر كما يقال : صعب واستصعب ؛ و ( الهدي ) بتخفيف الياء وتشديدها جمع هدية وهديّة . وهو ما أهدي إلى مكة من النعم لينحر تقربا به إلى اللّه . قال ثعلب : الهدي ، بالتخفيف ، لغة أهل الحجاز . والتثقيل ، على فعيل ، لغة بني تميم وسفلى قيس . وقد قرئ بالوجهين جميعا في الآية . وشاهد الهديّ مثقلا من كلامهم قول الفرزدق : حلفت بربّ مكة والمصلّى * وأعناق الهديّ مقلّدات وشاهد الهدية كذلك قول ساعدة بن جؤيّة إني وأيديهم وكل هدية * مما تثج له ترائب تثعب وأعلى الهدي بدنة . وأدناه شاة . والمعنى : أن المحرم إذا أحصر وأراد أن يتحلل ، تحلل بذبح هدي تيسر عليه : من بدنة أو بقرة أو شاة . تنبيه : قال الراغب : ظاهر قوله تعالى أُحْصِرْتُمْ أنه لا فرق فيه بين أن يحصر بمكة أو بغيرها . وبعد عرفة أو قبلها . وكذلك لا فرق في الظاهر بين أن يحصره عدوّ مسلم أو غيره . وظاهره يقتضي أنه لا فصل بين إحصار العدوّ وإحصار المرض . لولا أن الآية نزلت في سبب العدوّ فلا يجوز أن تتعدى إلّا بدلالة . ولأنّ قوله فَإِذا أَمِنْتُمْ يدلّ على أن المراد بالإحصار هو بالعدوّ .